عائلات تقطن كهوفا لأزيد من 60 سنة ولا تربطها بالدولة إلا البطاقة الوطنية

ستة عقود داخل كهف:

في أربعينيات القرن الماضي كانت "أيت عبدي" آخر ما وصل إليه الإستعمار الفرنسي بمناطق أزيلال، بعدما أنهكته المقاومة الشرسة التي قادها أبناء المنطقة ضده في مختلف القبائل.

وبعد أن رفع الراية البيضاء وعجز عن التوغل في تلك المنطقة بأعالي جبال الأطلس الكبير الوعرة، لجأ إلى اعتماد "السخرة" كسياسة حربية جديدة بديلة لحرب الأسلحة، أساسها ترويض الجغرافيا بسواعد الأهالي، لأنها الوحيدة التي توقف زحفهم وتنتصر لأبنائها في كثير من الأحيان.

كان والد "موحا" بين من قادتهم قوة المستعمر الفرنسي لشق طريق بين "أحنصال" و "أيت عبدي" رغم أنفه، إذ وجد نفسه حسب ما رواه لأبنائه مجبرا على حمل الفأس والمعول قسرا والعمل في ظروف قاسية إلى جانب كثير من السكان دون مقابل، بل دون أن يوفر لهم هؤلاء حتى الأكل والشرب والمؤونة في سنوات عجاف تلت "عام الجوع" أو "بوهيوف" كما يصطلح عليه سكان الجبال الذين عايشوا تفاصيله الأليمة.

لم يجد والد "موحا" غير الفرار من جبروت المستعمر، ليستقر به الأمر في منحدر قمة جبلية في منطقة خلاء محسوبة اليوم على جماعة زاوية أحنصال القروية، ألفى فيها غارا فاحتمى به، دون أن يدري أنه سيتحول فيما بعد إلى منزل افتراضي يأوي عائلته الصغيرة حينها وبعده عائلات أبنائه وأحفاده، في حكاية حياة أشبه بـ "أهل الكهف" بدأت منذ أزيد من ستة عقود من الزمن.

عائلات لا تربطها بالدولة سوى بطاقة التعريف:

بعد رحلة شاقة استغرقت أياما للوصل إلى المكان، انعرجنا أنا و "موحا" باتجاه سفح قمة جبل قطعته "الطرانزيت" لوحده في أزيد من ساعة من الزمن، ارتوينا في منبع مائي ثم وقفنا على صخرة توشك على التدحرج، أشار لي بيديه الشاحبتين إلى القمة الصخرية، كلّمني بلهجة مبعثرة، حركت رأسي بابتسامة نال منها الإرهاق، عرفني لم أفهم فأعاد من جديد بلغته الأمازيغية "هون السكنى" ."هناك المسكن"، أدركت حينها ما قال ثم أتممنا المسير

الشمس تسير نحو الغروب، في يميننا منحدر خطير وواد بعيد ومنازل متفرقة لا يظهر للعين إلا بعضها وبصعوبة شديدة تبدو كعلب صغيرة مرمية بعشوائية، في شمالنا قمة وفوقها سماء صيف صافية زرقاء، ليس في المكان ما يوحي أن ثمة سكان، اللهم أدخنة تنسل بين صخور سوداء تتصاعد لتلامس السماء، اقتربنا خطوات فإذا بنباح كلاب، ودجاجات تنقر في بقايا فضلات وأزبال، وصبية يشرئبون وراء أحجار تخفي أجسادهم الصغيرة، أيقنت معها أن المكان يأوي في أحضانه أسرا وأبنائها، كما يلتئم جراح ومآسي وقصص تبدو أقرب للخيال.

كأن الشمس انتظرت وصولنا للكوخ المقصود لتودعنا بأشعتها الصفراء بعدما أنارت لنا الطريق، في حديثنا الأولي مع أفراد العائلات التي تقطن تلك الصخور، تبين أن الأخيرة لا يربطها بالدولة سوى بطاقة التعريف الوطنية التي يحوزونها، قالوا إنهم لا يستفيدون من أية خدمات، لا وجود لشبكة الكهرباء والماء، وأقرب مستوصف في مركز الجماعة التي تفصلهم عنها أزيد من ساعتين على متن وسيلة نقل، وخمس ساعات على متن الدواب وأكثر منها على الأقدام، أما أقرب مدرسة تعليمية فهي في أسفل الجبل، رغم أنها تبدو للعيان لكنها تبعد بساعتين نزولا وأزيد من ثلاث ساعات صعودا.

لا تعرف العائلات التي تقطن الكهوف الموزعة على سفح القمة الجبلية معنى لمؤسسات الدولة، وحتى وسائل اتصال وتغطية الهاتف لا وجود لها، الأمر الذي جعلهم في عزلة تامة كأنهم يقطنون وطنا آخر لا مسؤولين ولا مؤسسات فيه.

توقف محرك الحياة بين ثنايا تلك الجبال، والأهالي الذين عصفت بهم الأقدار وأوقعتهم هناك يعرفون جيدا أنهم لن يعيشوا حياة كريمة حتى وإن رغبوا في ذلك، فطبيعة المكان الذي يقطنونه يفرض عليهم الإستسلام للواقع الأليم، وحتى الإستفادة من بعض خدمات التي توفرها الدولة بالنسبة إليهم أمر ليس باليسير، وقلما يصلون إليها.

أصوات انتخابية:

إذا كانت التنمية قد استثنت ساكنة الكهوف بجبال "أيت عبدي" وفاتهم قطار البرامج التنموية فإن الحملات الإنتخابية لم تكن كذلك، يتحدث "محمد" شاب من ساكنة المنطقة أن الحملات الإنتخابية تصلهم منذ أن وجد نفسه بين تلك الصخور إلى آخر انتخابات تشريعية قبل سنة من الآن.

مع قدوم كل محطة انتخابية يحل مرشحو بعض الأحزاب السياسية في ضيافة ساكنة الكهوف، يستمعون إلى معاناتهم مع العزلة والتهميش، يجالسونهم بكل أريحية ويعدونهم بتحسين أوضاعهم ومساعدتهم على بناء منازل وربطها بالكهرباء ومدها بالماء وشق الطرقات والمسالك، لكن الأمر وفق إفادات العائلات ليس إلا طيبوبة موسمية تختزل في طياتها رغبة جامحة في الحصول على أصوات انتخابية معدودات.

ويكشف الأهالي أنهم يسجلون دوما حضورهم في الإنتخابات الجماعية منها والتشريعية، يقطعون مسافات طويلة بعيدا عن أكواخهم ليدلوا بأصواتهم في مدرسة بمركز أيت عبدي، قبل أن يعودوا إلى عزلتهم التي ألفتهم وألفوها.

"لا تغير الإنتخابات من حالنا شيئا" يقول "موحا" وهو يحاول أن يجد محطة في مذياع صغير قبل أن يعيده إلى رف صخري بجانبه، فمرشحو الإنتخابات بحسبه أشخاص يتناوبون على زيارته منذ عقود، لكن وعود هؤلاء تتلاشى بانصرافهم.

زواج في الكهف:

"تزوجت في المسيرة الخضراء"، يقول "موحا" في إشارة منه إلى سنة 1975 وهو يعيد نسج خيوط تعرفه على شريكة حياته التي تعرف عليها بمنطقة أيت عبدي في عائلة رغم كونها تتوفر على منزل بسيط إلا أنها تقاسمه لعنة الفقر المدقع والعوز المبرح.

لم يُقم "موحا" حفلا ولا وليمة، كان اتفاقا مسبقا تلاه زواج بـ "الفاتحة" بحضور بعض الأهالي، قبل أن يشدا رحالهما معا إلى كهف سيأويهما بقمة الجبل، وسيكون شاهدا على مآسيهما وبعدها مآسي عائلة ستتحول بعدها لعائلات كتب لها أن تمضي عمرها في مكان لا تسكنه عادة إلا الصقور والطيور الجارجة.

توفي والد "موحا" بعد سنوات قليلة من زواجه تاركا إياه في بين ثنايا غار، هو بالنسبة إليه ورثا ذا قيمة لأنه احتمى به من بطش المستعمر، بينما ابنه الثاني تزوج في منطقة "واويزغت" وأرغم على البقاء في منزل يقتسمه مع عائلة زوجته كرها، فيما توفيت والدتهما سنة 2003 بسبب مرض ألم بها.

يقتسم "موحا" الكهف" مع زوجته "عائشة" وابناه "محمد" و "لحسن"، عمد إلى شقه بحائط حجري لفسح المجال لعزل الذكور عن الإناث من عائلته الصغيرة ومن زواره.

في الشق الأول تجلس الأم القرفصاء، لم تحدثني قط، كانت تخفي وجهها وتحني رأسها باستحياء، قال لي ابنها إنها مريضة بـ "الحساسية" وقد أجرت مؤخرا عملية جراحية لـ "المرارة" في أزيلال.

"رابحة" كبيرة العائلة تزوجت إلى منطقة بعيدة تدعى "واولكيت"، يليها "لحسن" يبلغ من العمر 36 عاما، أعزب ويعمل مياوما في أعمال شاقة خارج أزيلال قبل أن يعود بمصاريف شهرين أو ثلاثة، أما "محمد" فهو أصغر أبناء العائلة، 18 عاما ومهمته رعي قطيع "الكسيبة" الذي تعاون محسنون على اقتنائها لـ "موحا" حتى يضمن قوت يومه على الأقل لأبنائه.

ويحكي رب العائلة أن ابنا وبنتا توفيا صغارا، الإبن بعد بضعة أيام نتيجة البرد القارس، باعتبار القمة التي يقطنونها تكسوها الثلوج لشهور، أما البنت فقد تجاوزت سبعة شهور لكن مرضا أنهى حياتها أمام أعينهم.

جيران مع وقف التنفيذ:

تخفي القمة الصخرية في أعلى الجبل المطل على "أيت عبدي" مآسي عدد من العائلات، اشتركت جميعها في كونها وجدت نفسها بين عشية وضحاها في جحور ضيقة، يرتعدون فيها شتاء مع تسرب مياه الثلوج التي يمتصها الجبل، ويطاردون فيها الحشرات السامة والزواحف صيفا.

"زهرة" شابة ثلاثينية تطل من كهف يفتح بابه لمنحدر خطير، تحمل بين ذراعيها طفلة رضيعة، وبالقرب منها طفل صغير آخر اسمه "محمد"، وطفلة أقل منه عمرا اسمها "فاطمة".

كشفت "زهرة" في حديثها لـ "سلطانة" بكلام يختصر القليل من القوة والإصرار والكثير من المعاناة، أنها تعيش حياة رفقة ابنائها حياة بئيسة، "لا تطبيب هنا، أصيب أولادي غير ما مرة وذرفوا الدموع وبكوا حتى فقدت الأمل في عودتهم للحياة، .. الله وحده يقيهم ويقف إلى جانبهم".

أصيبت "زهرة" بمرض ألزمها الفراش لشهور طويلة، هي بحاجة لإجراء عملية جراحية لكن قصر ذات اليد حال دون ذلك ولو إلى حدود اللحظة.

زوجها لم يكن حاضرا وقتها، قيل لي إنه ذهب إلى مكان بعيد منذ أيام، ذهب للعمل والبحث عن مصروف لعيش العائلة، وهو الذي كان يكتفي برعي "قطيع" من الماعز.

صعوبة الوصول:

الوصول إلى المنطقة ليس أمرا يسيرا، فبُعد المكان عن المراكز الشبه حضرية، وعلو جبال الأطلس الكبير ووعورة المسالك الطرقية كلها أسباب تؤزم وضعية قاصدي منطقة "أيت عبدي".

فمن مدينة أزيلال مركز الإقليم، يقلك "طرانزيت" واحد إلى زاوية أحنصال، يحشد داخله أزيد من 20 فردا، وتستغرق الرحلة أزيد من ثلاث ساعا في منعرجات خطيرة.

ومن زاوية أحنصال إلى منطقة "أيت عبدي" رحلة أكثرة شقاء، لأنها رهينة بعربة أخرى، الله وحده يعلم متى تمر من المنطقة، وإن لم تأت فعليك انتظارها ليوم أو يومين أو أكثر، أو المغامرة بقطع المسافة سيرا على قدميك كما يفعل عدد من أهالي المنطقة الذين يقصدون "سوق الزاوية" للتبضع منه، لكن الأمر يكلفك نحو 5 ساعات بين الجبال.

الحلم المؤجل:

يجمع سكان الكهوف بمنطقة أيت عبدي المحسوبين إداريا على الجماعة القروية "زاوية أحنصال" أنهم لم يرضوا يوما أن يقبعوا تحت تلك الصخور، وأن يفوتوا على أبنائهم وربما أحفادهم فرصة التعلم والتطبيب والعيش في بيئة يتوفر فيها الحد الأدنى لضروريات الحياة.

ويمن هؤلاء النفس في التفاتة من المسؤولين ومن المحسنين، آملين أن يتم النظر إلى أحوالهم، وإخراجهم من حياتهم البدائية التي تستثنيهم من العيش كمغاربة، وتخرجهم من دائرة البؤس السرمدي.

ولم يخف السكان الذين تزيد أعدادهم مع مرور السنين، أملهم في أن يحظوا كغيرهم من المواطنين بسكن يليق بهم، ويخلصهم من جحيم جغرافيا وعرة تحطم آمالهم في العيش كما يحلو لهم، ومناخ قاس يضاعف عليهم العزلة ويهددهم بأمراض تصل حد الموت في بعض الأحايين.

مشاركة